الشيخ محمد رشيد رضا
296
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم قال ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ وهذه الجملة حجة ثانية على منكري الوحي ، في ضمن حقيقة ناقضة لعقيدة الشرك ، ذلك ان مشركي العرب وغيرهم ومقلدتهم من أهل الكتاب كانوا يعتقدون ان معبوداتهم من أولياء اللّه تعالى وعباده المقربين من الملائكة والبشر يشفعون لهم عند اللّه تعالى بما يدفع عنهم الضر ويجلب لهم النفع في الدنيا ، والذين يؤمنون بالآخرة من الفريقين يثبتون لهم الشفاعة في الآخرة بالأولى ، ويسمون الأصنام التي وضعت لذكرى أولئك الأولياء شفعاء أيضا بالتبع ، وسيأتي في ( الآية 18 ) من هذه السورة حكاية ما يقولونه في هذه الشفاعة . ويقال في بيان وجه الحجة عليهم فيها : إنكم إذا كنتم تؤمنون بأن للّه شفعاء من أوليائه وعباده المقربين يشفعون لكم عنده بما يقربكم اليه زلفى ويدفع عنكم الضر ويجلب لكم النفع ، وهو قول منكم على اللّه تعالى بغير علم ، فما لكم تنكرون وتعجبون أن يوحي تعالى إلى من يشاء ويصطفي من هؤلاء العباد من يعلمكم من العلم ما يهديكم إلى العمل الموصل إلى كل ما تطلبونه من هؤلاء الشفعاء باستحقاق بدون عمل منكم ولا استحقاق لما تطلبون منهم ؟ وأما الحقيقة الناقضة لعقيدة الشرك في الشفاعة فهي انه لا يمكن أن يوجد شفيع يشفع لأحد عنده تعالى الا من بعد اذنه ، كما قال في سورة البقرة ( 2 : 255 مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ ) وليس لأحد حق في الاخبار عنه تعالى بمن يشفع عنده ومن يقبل شفاعته الا باعلام منه ، وذلك لا يكون إلا بوحي منه . وقد ثبت في وحى هذا القرآن أنه لا يشفع أحد عنده باذنه الا من ارتضاه للشفاعة ( 20 : 109 يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) وان هؤلاء المأذون لهم بالشفاعة لا يشفعون الا لمن كان اللّه تعالى راضيا عنه بايمانه وعمله الصالح كما قال ( 21 : 28 وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) مصداقا لقوله ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ احتجاج بما يؤمنون به من وحدانية الربوبية ، على شركهم في وحدانية الألوهية ، أي ذلك الموصوف بالخلق والتقدير ، والحكمة والتدبير ، والتصرف في أمر الشفاعة يأذن بها لمن شاء فيما شاء هو اللّه ربكم ، ومتولي أمور العالم ومنها أموركم ، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا ، ولا معه